أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
241
العقد الفريد
واعلم أن من كان مرجعه اغتصاب نظم من تقدمه ، واستضاءته بكوكب من سبقه ، وسحب ذيل حلة غيره ، ولم تكن معه أداة تولّد له من بنات ذهنه ، ونتائج فكره ، الكلام الجزل والمعنى الحفل ، لم يكن من الصناعة في عير ولا نفير « 1 » ، ولا ورد ولا صدر ؛ على أن سماع كلام الفصحاء المطبوعين ، ودرس رسائل المتقدمين ، هو على كل حال مما يفتق اللسان ، ويقوي البيان ، ويحد الذّهن ، ويشحذ الطبع ، إن كانت فيه بقية وهناك خبيّة . واعلم أن العلماء شبهت المعاني بالأرواح والألفاظ بالأجساد واللباب ، فإذا كتب الكاتب البليغ المعنى الجزل ، وكساه لفظا حسنا ، وأعاره مخرجا سهلا ، ومنحه دلا مونقا - كان في القلب أحلى ، وللصدر أملى ؛ ولكنه بقي عليه أن يؤلفه مع شقائقه وقرائنه ، ويجمع بينه وبين أشباهه ونظائره ، وينظمه في سلكه ، كالجوهر المنثور : الذي إذا تولى نظمه الناظم الحاذق ، وتعاطى تأليفه الجوهريّ العالم ، ظهر له بأحكام الصنعة ولطيف الحكمة حسنا هو فيه ، وكساه ومنحه بهجة هي له ، وكذلك كلما احلولى الكلام وعذب وراق وسهلت مخارجه ، كان أسهل ولوجا في الأسماع ، وأشدّ اتصالا بالقلوب ، وأخف على الأفواه ؛ لا سيما إذا كان المعنى البديع مترجما بلفظ مونق شريف ، لم يسمه التكلف بميسمه ، ولم يفسده التعقيد باستهلاكه ، كقول ابن أبي كريمة : قفاه وجه ، والذي وجهه * مثل قفاه يشبه الشّمسا فهجّن المعنى بتعقد مخارج الألفاظ ؛ وأخذه الحسن بن هانئ فأوضحه وسهله قال : بأبي أنت من غزال غرير * بزّ حسن الوجوه حسن قفاكا « 2 »
--> ( 1 ) يقال لمن لا يصلح لمهمّ : « فلان لا في العير ولا في النفير » . فالعير : عير قريش التي أقبلت مع أبي سفيان من الشام . والنفير : من خرج مع عتبة بن ربيعة من مكة لاستنقاذها من أيدي المسلمين . فمن لم يكن في أحد الجمعين لم يعدّ في الرجال . ( 2 ) بزّه : فاقه ، وسلبه وغلبه .